الحكيم الترمذي
69
كيفية السلوك إلى رب العالمين
به الأفواه ويخرس به الألسنة ، وينصر حقّه ، ثم ينشر رحمته ، ويبرز فضله ، ويهطل جوده وكرمه ، ويظهر من مجده ما لا خطر على قلب بشر . فخلق ذلك اليوم من قوله : كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [ الأنعام : 73 ] ويمد مقداره بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ، فيكون نصف ذلك اليوم جميع ما ذكرنا بدءا ، حتى إذا انتصف النهار ، اجتمع الأحباب بباب الجنة بالعناء في مقيلهم أضياف الرحمن ، وقد خرج آخرهم من الصراط بعد ما امتحشتهم : أي أحرقتهم ، واجتمع الأعداء بباب النار في سرادق من النار أحاطت بهم . قال تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [ الكهف : 29 ] . وقال : إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [ المرسلات : 30 ] من دخان النار ، وقد أظلتهم من فوقهم ، فهناك مقيلهم أضياف ملك ، ثم يدخل أهل النار النار ؛ ليعذبوا ، ويدخل أهل الجنة الجنة ؛ لينعموا ويحبروا ، وقد بقي من ذلك اليوم النصف ، وهو بمعدل خمس وعشرين ألف سنة ، والأحباب يكسون ويحلون الحلي والحلل ، ويتوّجون ، ويسورون ، ويقتسمون منازلهم ، فيتنعمون مع أزواجهم ، وينظرون إلى حظوظهم ومملكتهم ، ويذكرون الأعداء ، فينطلقون إليهم ، والأعداء يكبّلون ، ويغللون ، ويقيّدون ، ويسلسلون ، ويلبسون القطران ، ويضربون بالمقامع من الخزان ، ويصرخون ، وينادون أرحامهم ومعارفهم ، والأحباب ينظرون إليهم من الأرائك والمجالس فيضحكون بهم ويستهزئون . وهناك عجائب في الدارين من الويل والتحسير والندامات والملامات ودعوة الثبور ، وفي هذه الدار من الحبور والسرور والتسبيح والتقديس والتحميد للّه على ما هداهم وأولاهم من مننه ، فمن يقدر أن يصف ذلك حتى تنقضي هذه المدة ؟ فإذا تمّ ذلك اليوم وهو مقدار خمسين ألف سنة ، نصف للموقف والجزاء والحساب والأعذار ، ونصف في الجنة للاقتسام وقبض الجزاء والاحتواء على المملكة ، أمر اللّه الجليل - تبارك اسمه - بإطباق النار عليهم ، وردم أبوابها ، وسد خللها ونقوبها ، وأصمت : أي أقفل ذلك السجن محنة للأعداء بأجسامهم وسلبهم صورته وتناساهم ، وأخرسهم عن دعائه وندائه ، وخسأهم ، فقال : « اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] ، وفّى وعده فقال : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة : 13 ] ، ثم وضع قدمه على أعناق الأعداء ، وأرسل عليهم غضبه ، فأحاط بهم ، وختم غضبه